شعراء ومشاهير - الشيخ محيسن العاكور 


 اولا:نشأة الشيخ محيسن العاكور ونسبه وقصة لقب العاكور:

الشيخ محيسن العاكور في طفولته لم يكن كغيره من ابناء جيله من ابناء القبيلة ولكن كان حضوره وتميزة ونبوغه المبكر صفة تلازمه امام والديه وافراد قبيلته كان ذا رأي وبصيرة وفكرونبوغ تنبأ له والده مبكرا في قصيدة قالها فيه مطلعها

ان كان محسن جا على هقوتي فيه ياهني من هو يرقبه فالحياتي
يازين قدام الركايب تخمليه يبديلهن فالشمخ النايفاتي

كان والده يرى في ذلك الصبي امور غير عاديه و توقع له شأنا في حياته المستقبلية ولكن القدر لم يمهل الوالد الامين حتى يرى نتائج ذلك النبوغ والفكر اذ توفي وابنه لا يزال طفلا طفل يحمل الفصاحة الفطرية والافق الواسع ترجمتها بقية حياته رحمه الله واسكنه فسيح جناته

فقبل ان نتطرق الى الكتابة عن الشيخ محيسن العاكور ساورد لكم سبب تسميته بهذا اللقب "العاكور" الذي ساهم هذا الشخص بالذات في انتشاره على نطاق واسع

العاكور لقب يعود فالاصل الى عايض بن هادي الهذيلي حيث اطلق عليه هذا اللقب من بعض رفاقه الشبان اثناء تعاركهم مع بعض ولانه قوي البنية كان يتغلب على من يصارعه فلقبوه بالعاكور وهي كلمة مرادفة لكلمة الطرح والصرع

و بسبب ترديد هذا اللقب كان يغضب عايض العاكور وكاد ان يحدث مشكلة بينه وبين رفاقه فتدخل بريكان ابن هويدي ابن عمه شقيقه وجد الشيخ محيسن فالموضوع وقال انا العاكور ولي الفخر بهذا اللقب فحمله بريكان وكان يشهره في المناسبات وخاصه القتاليه

عرف عن بريكان بانه مشهور بالمنع واجاره من يقع في الاسر قبل ان يطلب الاسرى منه ذلك حيث كان يتدخل بقوله "تراه في وجه العاكور" فلا يتعدى احد عليه ويفك اسره بدون مقابل وكان ذلك سببا في بداية انتشار شهرة هذا اللقب على مستوى البقوم عامه و هذيل خاصه

لقد سبق و ان كتبت عن والد الشيخ محيسن الشيخ مضحي العاكور كان شاعرا شجاعا وهو احد رجال الشريف المشهورين حيث رافقه الى الاردن ومكث معه عدة سنوات وكان ذلك بعد تولي ابن سعود حكم الحجاز ثم رجع بعدها الى قبيلته وهو غني وبعد فترة من وصوله حصل خلاف بين اثنين من جماعته تطور الى تشابك بالايدي فحاول مضحي ان يفريق بينهما الا ان احدهما تناول حجرا فحاول ضرب خصمه به لكن الحجر اخطأ الغريم حيث اصاب راس مضحي اصابه بالغه احس بعدها ان اجله دنا فاخذ بندقين من مما كسبها واعطها رجل من جماعته اسمه عيد بن عبسان الهذيلي رحمه الله واوصاه بالسر ان ياخذها بدون علم احد وان يحفظها لابنائه ويعطيها لهم عند اشتداد سواعدهم. وفعلا حفظ هذا الرجل الامين الامانه واعطاها ابناء مضحي عندما احس انه الوقت المناسب. واوصى مضحي قبل وفاته ايضا احد جماعته واسمه سعيد بن حجيل رحمه الله وابلغه ان يبلغ ابناءه بالذهاب الى شخص اسمه حمدان بن سحمان الهذيلي البقمي وهو طالب علم عند الملك عبدالعزيز رحمه بالرياض اذا احتاجوا الى مساعدة

توفي مضحي العاكور وكان اكبر ابنائه ماجد حيث كان عمرة ثماني سنوات واصغرهم مضحي بن مضحي لم يضهر على وجه الدنيا وكان من عادة ابناء البادية اذامات الرجل وزوجته حامل يسمى المولود باسم والدة .
مرت فترة على وفاة مضحي وتزوجت زوجته من بعده من شخص اخر حسب العادة التي كانت متبعه . من العيب ان تجلس المرأة الصغيرة في السن من غير زوج . وبعد مرور الوقت كان الناس في فاقة من العيش تحول الاغنياء الى فقراء وولذلك كانوا لا يفرقون بين مال اليتيم ومال غيره. و بعد مرور ثلاث سنوات من زواجها ماتت تلك المرأة رحمها الله فاصبح الاطفال الايتام في اشد العوز والحاجة ولكن ذلك لم يرض الشيخ محيسن ما تعرض له هو واخوانه فطلب من اخيه الاكبر ماجد البقاء مع اخوته الايتام نظرا لتعلقهم به

ثانيا:قصة رحلتة الى الرياض والتعرف على ال سعود

كان في الحادية عشرة من عمره عندما قام برحله شاقه على القدمين ومتجها الى بلدة الرياض قاصدا الشخص الذي كان يذكره والده دائما بالخير وهو حمدان بن سحمان الهذيلي البقمي كي يمد له يد المساعدة .
وكانت الرحلة طويلة وقاسية وخاصة على شخص صغير السن حيث داهمه الجوع وهو لا يقوى على شيء يرد به هذا وقرصة البرد الشديد فاخذ يتلوى من هذين الداءين فما كان منه الا ان حزم نفسه بحصاة وضعها على بطنه لكي تخفف جوعه ويحفر بجانب بعض النباتات البرية التي تنبت في المناطق الرملية ليحصل عل ذفء الصحراء وفي احضانها الواسعة المترامية الاطراف خائفا من الجن والسباع الضارية راغبا في الحصول على دفء الام الذي افتقده .
كان يمر في رحلته على قطين البدو وفرقانهم كي يستضيفوه فكان البعض منهم يعطيه لبنا او حليبا والبعض الاخر يكتفي بالاعتذار. ومن بين البيوت التي طرق بابها بيت رجل كريم من قبيلة سبيع حيث جاءه في الصباح الباكر و الرجل يطلق عقال نياقه فلما رأى هذا الطفل حن عليه ففك شمالة الناقة احد الخلفات وحلب له غضارة ولكن محسن العاكور جائع ومستحي ان يطلب طعاما ولا سيما وان الرجل كان في عجلة حتى يرافق ابله فتركه عند المراح وانطلق وراء أبله و غاب عن الانظار.
شاهد الطفل محيسن بنت مضيفه في البيت وهي ترفع البيت بعد الارتخاء الذي يصيب البيوت عادة من الهبوب والرياح.
فنادها قائلا:"يا بنت" فاجابت ماذا عندك يا ولد فاجابها " عندك ما يحفظ السر" وهذه الجملة لا يقولها الا من له مقاصد غرامية نظرت اليه البنت وحكمت عليه لصغر سنه انه لا يعرف معنى الجملة التي قالها فردت عليه "ماذا عندك " قال: انا جوعان وكل ما امر على فريق من البدو لا يعطونني غير الصبوح والحليب الذي لا يسد جوعي.
ضحكت البنت وقالت ابشر بالخير يا ولد هيا ادخل البيت حتى تساعدني في رفع المزاود والمزاود شنط كبيرة من جلود الابل يستخدمها البدو لتخزين الحبوب والتمر والاقط .
اخرجت قلة التمر واعطته منها واكل حتى شبع ثم زودته بتمر ملأ كفيه وجيوبه وذهب وهو يحمل لهذه المرأه كل احترام ثم واصل الطريق الى الرياض

وصل الى الرياض بعد عناء سفر طويل ومسيرة زادت عن الشهر قليلا والتقى بابن سحمان رحمه الله الذي كان السبب في دخوله قصر الملك عبدالعزيز رحمه الله ومن هنا بدأت مرافقة ال سعود وظل مواليا لهم في الشدة والرخاء وشارك معهم في حملة غزو اليمن بعد ان ادخله سعيد بن هوشان الدعجاني مع الاخوان رغم صغر سنه نطرا لان مضحي قام بانقاذه بعد تعرضه لاصابه في احدى المعارك ضد الشريف وعندما حضر محيسن لطلب التسجيل لم يكن طوله مناسب لحمل البندقية نظرا لصغر سنه وعندما عرف ابن هوشان انه ابن مضحي قبله على الفور وفتح جيزان بقيادة الملك فيصل طيب الله ثراه. الذي حاصر بلدة ميدي والتي طال حصارها فقام الملك فيصل وهو يمتطي جواده وهو يحدو في صباح يوم ناشدا بابيات لرفع معنويات جنده قائلا

النوم يا خطلان الايدي خلوه يقعد للبنات
باكر نبى تحرير ميدي يالله نبى منك الثبات

لم يكن لجيش الاخوان المكلف بفتح اليمن بقيادة الامير فيصل بن عبدالعزيز رواتب معينة لهم سوى الغنائم التي يحصل عليها الجيش اثناء تقدمه ومع ذلك اظهر الامير فيصل حنكة ودهاء في الادارة والقتال و يقول محيسن والذي كان هو احد افراد ذلك الجيش ان رواتبنا احيانا تكون اكياسا من الملح وبعض الاحيان اغناما .
عندما فتح الاخوان ميدي كانت الصفة الانسانية هي السائدة على تصرفات افراد الجيش المنتصر وكان هدف البعض الحصول على اكبر كم من الغنائم. كان محيسن يرافقه رجل شجاع واسمه معيفن القثامي لكن هذا الرجل رحمه الله كان يحلم في الحصول على اكبر من قيمة الملح والاغنام القليلة التي لو باعها لا تزيد تلك القيمة عن ريالين فرنسيين كان هذا الرجل يحلم ايضا ان يجد في طريقه ابلا او مالا لكنه لم يحقق ما كان يصبو اليه.
وعند سيرهم في شوارع ميدي بعد فتحها شاهد شابا اسود اللون وهو اللون السائد على ابناء السواحل في تلك المنطقة وكان يرتدي ازارا ويتمتع هذا الشاب بصحة جيدة وعندما راه معيفن رحمه الله فكر بفكرة جنونية اقنع فيها رفيقه محيسن العاكور بانهم مهما جمعوا من غنائم فانها لا تضاهي قيمة عبد واحد يبيعونه فذهب الاثنان الي ذلك الشاب فخاطبه الدعجاني بقوله يا عبد تراك انت عبدنا.فرد عليه الشاب الاسمر قائلا باللهجة المحلية في تلك المنطقة "امانة ما انا عبد" فاعطاه القثامي كفا على وجهه وقال بل انت عبد فرضى المسكين بان يكون عبدا حيث رد عليه بعد الكف بقوله"امانة عبدا" .ثم باعاه على رجل يقال له ابن جري العتيبي في سوق العبيد باربعين ريالا فرانسيا وتقاسما القيمة وتفارقا

وفي عهد الملك فهد رحمه الله كان محيسن البقمي يراجع امارة مكة في بعض الامور وبالصدفة شاهد الاستاذ سعود بن جري العتيبي الذي كان يعمل بالامارة في تلك الفترة فما كان منه الا اصر على دعوته للغداء في منزلة في مكة فاستجاب الشيخ محيسن لطلبه وفي الوقت المحدد وعند وصوله الى مجلس ابن جري شاهد شخص كبيرا في السن فسلم عليه وسأله هل عرفتني يا محيسن؟ فرد عليه محيسن لم اتعرف عليك!! فقال هل نسيت الشخص الذي قمت انت ومعيفن القثامي باستعباده؟ نعم انه انا!!رجع الشيخ بذاكرته بعيدا فتذكر ما فعله هو وصاحبه بذلك الشاب الاسمر تأسف الشيخ محيسن منه كثيرا واخبره بان تلك الحادثة من اشد الاحداث وقعا على نفسه واكثر ايلاما وندما في حياته وطلب منه المسامحة والعفو فرد عليه الرجل بقوله عسى ان تكرهوا شيئا وهو خيرا لكم .لقد عرفتني على رجال لهم مكانه اجتماعية عاليه واصحاب مراتب هامة في البلاد وفتح الله لي عندهم الرزق من بابه الواسع فزوجوني واكرموني وبنوا لي منزلا وقاموا بتعليم ابنائي وتوظيفهم في احسن الوظائف ولله الحمد .
غادر الشيخ محيسن ذلك المنزل فحس براحة عظيمة حيث سامحه ذلك الرجل على فعله وهو صغير وبقيت العلاقة بينهما دون انقطاع حتى فارقا الحياة وهما يكنان لبعضهما المودة والرحمة ويملأها الحب والتقدير

ولنا عوده بأكمال سيرة الشيخ محيسن