شعراء ومشاهير - عايد الهذيلي 


اخواني القراء...الرجال الطيبون يموتون ولكن تبقى لنا سيرتهم وافعالهم الطيبة....وكما عودناكم احبتي في سرد لمحات من سيرهم المشرفة...فاليوم لنا وقفة مع الكرم وفنون اكرام الضيوف...فقبيلة هذيل البقوم اشتهر عنهم الكرم بشكل عام وعايد الهذيلي بشكل خاص..فالكرم موهبة ربانية يخص من يشاء بها من خلقة...ولا تقل هذه الصفة في نظر الرجال او الشرع عن الشجاعة او اي صفة حميدة اخرى علما بان عايد الهذيلي جمع بين الشجاعة والكرم..

فهو عايد بن محمد الدفناني الهذيلي البقمي ...فاما ابوة محمد فخواله الصملة من سبيع وخال عايد هو الشيخ بن حميص الجديع شيخ السودة من سبيع وهم من سبيع الذين يقطنون اطراف بيشة..

بعد ان تزوج محمد الهذيلي ام عايد رجع لدياره حضن وعاش مع ربعه...وكان رحمه الله كريما شهما شجاع وكثير المال والعبيد...فورث ابنه ماله وصفاته الحميدة

فواصل الرحلة الى خواله وعندما قرب منهم اخذ ثوب رث ولبسه وقال لمرافقيه ابنو بيتكم هنا وانا سوف اذهب واعود اليكم قريبا...

ذهب عايد الى القطين وسال عن بيت الشيخ حميص الجديع فاشاروا الى اكبر البيوت فتوجه اليه...وعندما دخل هذا البيت وجد فيه ناس كثر...فسلم عليهم وجلس في مكانه ودار هذا الحوار الموجه للشيخ:

عايد الهذيلي: انا بعيد ديار ومودي اخبار وحاديني الدهر الجبار...ابغاك تنزلني في الشعيب وتوردني على القليب.

الشيخ بن حميص:مرحبابك وقلي انت من انت

عايد الهذيلي: انا من هذيل البقوم "وقال اسم مستعار"

الشيخ بن حميص: عينت بناخينا عايد عساه من اطيب ربعه

عايد الهذيلي: بناخيك من عرض ربعه"يعني عادي"

وبعد لحظات اتى احدهم يصب القهوة وكانت دلال خاله بغداديات ومن اجود واغلى الدلال في ذلك الزمان ...فلا يفرط فيها الشخص الذي يقتنيها...ومن المستغرب ان يسومها احد من شيخ بمكانه وحجم هذا الشيخ...

فاراد عايد ان يختبرقوة تحمل خاله...فدار هذا الحوار بينهما...

عايد الهذيلي: ياشيخ ما تبيعني دلالك

الشيخ بن حميص: لا والله ما هيب للبيع

عايد الهذيلي: طيب ما دام انك وافقت اني انزل في ديارك بكرة ترى القهوة عندي

الشيخ بن حميص: على القوة

استأذن عايد من الشيخ بعد ان اكل ضيافته...وبعد ان غادر ولم يذهب بعيدا سمع احد الرجال الذين في المجلس يعاتب الشيخ في عدم رده على عايد قائلا:

الرجل: ليه يا شيخ ما رديت على ابو عطاير هذا يوم يسوم دلالك

الشيخ بن حميص: هذا طيب وعاشق له طيب

فاعجب عايد برد خاله على الرجل...وفي اليوم التالي لبس عايد ملابسه الاصلية وامر عبيده بذبح قعود ليكون غداء مبكر لزواره...وعندما حضر الشيخ ومرافقيه دهشوا من كبر البيت الشعر وكثرة الحلال....ورأوا صاحبهم بشكل مغاير ...فرحب بهم دون ان يفصح بهويته ودار هذا الحوار مجددا بينه وبين الشيخ

الشيخ بن حميص: ما شاء الله عليك يا فلان"الاسم المستعار" تسوم دلالنا وادلالك افضل

عايد الهذيلي: المعذرة يا عوانينا ...انا رجال غشيم وابوي غشيم والفرق بيني وبينه ...ان ابوي شاعر وانا لست شاعر

الشيخ بن حميص: طيب عطنا من سوالف ابوك

عايد الهذيلي: ابوي مره ورد على بير ...وهو رجال يحب القهوة ودايم معه ريحة الهيل والزعفران والعويدي عابقة في ملابسه...فارادت ناقته ان تشرب فراها شخص وطلب من معاونيه ان يطردوا ناقة الهذيلي ابو العطاير ...فما كان من ابوي الا ان رد هذه الابيات

كم مسـنحـانيا علـــى الهرج مجراح يــدق بالجـــواد والحيــــل وانـــــي
يالخـــايب انــا مـــا تعطــرت بارواح يا كـــود ريـــح الهيل والزعفـراني
ريــح العـويدي في دلالي ليــا فــــاح ومخالطه ريــح الزبــاد العمــانـــي
وقصيرتي ما اكثر عليهــا التســناح ولا غاب واليها عليه الف امـانــي
وقصير بيتــي غــاليـــا لــين ينــزاح وادعيه للكرمة واجيه ان دعـانــي
وربعــي هــذيـل مربحة كل مصــلاح شــراية الغــالي مــن المغلــوانــي

واراد بقصة والده المختلقه ان يوصل شرهته على ذلك الرجل الذي نبزه بابو العطاير...لانه كان من العيب ان يستخدم الرجل العطر في ذلك الزمان لانه كان مختصر على النساء..

وبعد ان قهواهم وغداهم اخبرهم بانه عايد الهذيلي بناخيهم...ففرحوا به وقام الجميع بعزيمته ..وطلبوا منه البقاء معهم كواحد من السودة فبقي معهم سنين طويله له مالهم وعليه ما عليهم..

عندما نزل عايد الهذيلي مع الصمله من قبيلة سبيع وذات يوم غاب
عن المنطقة وقام شخص يُدعى (ناصر أبا اللحيم الصميلي) من الصملة من
قبيلة سبيع بأخذ قرب عايد وصبها لماشيته وليس شقها ويتضح ذلك من سياق القصيدة التي سيأتي ذكرها ، ولما وصل الخبر إلى عايد الهذيلي قال قصيدة بهذا الشأن أسندها لأمير الصملة الشيخ (نايف الصميلي) ذكر فيها من صب قربه ويرغب أخذ حقه من هذا الشخص حيث قال فيها



ياراكبٍ أللي ما شقر خفها الحيف ولا وقع الرقاّع فيها عمادي
عجت ربيع ثم عجت بهـا الصيف ومعدي عنها الجمل في الهدادي
سر ثم جعل تمسي (نايف) بالتواصيف ثم أخبـروا (نايف) بصبة ورادي
صملاني أللي مدهلٍ للمناكيف أللي لدسمين الشوارب مرادي
أصتبها (ناصر) عسى فرقه الهيف وحامت على معزاه شهب الحنادي
لعل تأكلها النسور المهاييف ومضيعة عند أول العصر هادي
هو جزاني يوم فرقا المواليف أشتلت أبوه وجيت به وش عادي

وعندما وصلت القصيدة إلى الشيخ (نايف) أمير الصمله أخذ على نفسه عهداً بأن يقضي لـ(عايد الهذيلي) القضاء الذي كلاً يسمع به ، بعدها ذهب (نايف) ومعه أحد كبار رجال القبيلة إلى منزل (ناصر أبا اللحيم) وعندما وصلوا إليه بادرهم بالاعتذار وحلف يمين أنه ليس عنده علم أنه هذه الصملان لـ(الهذيلي) فقبل الشيخ (نايف) عذره فرجع وقال قصيدة موجهة لـ(عايد الهذيلي) لم نجد منها إلا هذا البيت



(ناصر) حلف لي بالذي عبد ما شيف ما صب صملان الهذيلي عمادي

وفي يوم من الايام ذبح عدة روس من الغنم ...واخذ شواها"كبودها وكلاويها وقلوبها" ووزعها على الاطفال فرأت احد كبيرات السن من نساء السودة كثرة الشوى الذي قدمه للاطفال فقالت تلك العجوز" اهب ياذا الهذيلي لو كرمك عند بني عمك"

فكانت هذه الكلمة سبب عودة عايد الى ربعه هذيل البقوم...حيث اختلق عذرا لكي يتعذر به من خواله لكي يسمحوا له بالرحيل... وبعد اصرار منه سمحوا له بالرحيل على مضض.. وفي طريقه لجماعته رد هذه القصيدة المشهورة

ياراكب ثنتين مثل القوايد مثل النعام الربد وان حق راعيه
تسرح من الثمدين والنشر قايد والصبح ضلع هذيل سبارهن فيه
ودي بهم من فوق حمرا تحايد وبالكف مسلوب على كف راميه
تلفي ولد عمي صبي الوكايد كم راس مرقاب ورى النشر يبديه
ابا ليا ما قيل ياهل العوايد امضي مع ربعي مع اللي مضو فيه

رجع لدياره وبقي مع بني عمه ولم يترك خواله من الزياره وفاء منه لهم وهم زاروه عدة مرات....

وفي يوم من الايام ذهب عايد وجاره للخرمة لغرض المديد والمديد يعني التبضع في اللهجة البدوية...وبعد ان انتهوا من غرضهم دار هذا الحوار:

عايد الهذيلي: من تضن مجهز القهوة ابني او ابنك

الجار: فقال الجار بكل تحدي لا بالله الا ابني

عايد الهذيلي: كيف ولدك يسبق وانا ولدي زريبة اللي مسميه على خاله زريبة بناخي شيخ من شيوخ العضيان من عتيبة وشلون ولدك يسبق ولدي فالطيب

وعند رجوعهم كسب الرهان الجار...وصدم عايد من هذا الموقف الذي اجبره على ان يقول هذه القصيدة

عزالله اني في بكوري ترديت واخطا شبابي من شجيع العيالي
فرحت بك يالقرم يوم انك الفيت واباك تطلع عن دروب الفلالـي
وعز الله اني في خوالك تعمقيت سوات ابوي يوم دور خوالي
اخرت لك نار سناها على البيت ومنارة تجذب عليك الرجالي
واخرت لك صفرا ليا منك اشفيت تقمز ليا مسيتها بالحبالي

ومن قصايد عايد الهذيلي المشهورة ...ماقاله في دلته...والابيات على النحو التالي

يالله في نو(ن) مزونه رويه ياخذ ثمان أوجاب والوبل همال
يسقي من الشعبه ليا الجابريه على ديار هذيل ماضين الأفعال
يسقي ديار آهل الشرف والحميه كسابت النوماس في كل الأحوال
اللي مجالسهم لها قابليه مجالس(ن) ما جابت القيل والقال
وعند الهذيلي دلة (ن) عجرفيه فنجالها يسوى ثلاثين فنجال
واللي مكذبني فيبدي عليه ما دام راسي حي ما غطه الجال
لو المساله بنها ما عليّه لكن عدينا ورى الحال باحوال

ومن القصص المشهورة عن هذا الرجل بانه دخل الى مجلس ابن رشيد وطلب القهوة ...وقال عايد انه ضرمان للقهوة...فطلب ابن رشيد من القهوجي بان يصب القهوة للضيف...ولكن عايد اكتفا بالفنجال الاول...الامر الذي دفع فضول ابن رشيد الى سؤاله...كيف تقول انك ضرمان ولا شربت الا فنجال واحد...فرد عليه بان الدله صايده...فسكبوا الدلة ولم يجدوا شيء وسكبوا الخمرة اوالدلة الكبيرة ووجدوا حشره بداخلها..

وبعد ذلك اراد ابن رشيد ان يختبره اكثر ...فامر القهوجي بان يخلط بالقهوة "حبه نية وحبة شيصة وحبة محروق"...وبالفعل نفذ القهوجي المطلوب وعندما صب الفنجال لعايد اكتفى بالفنجال الاول ايضا...فقال لماذا لم تشرب فقال الدلة فيها "شيص ونياه وحراق"..

فعجب ابن رشيد من صنيعه وطلب منه يعرفه بنفسة واخبره بانه عايد الهذيلي صاحب قصيدة الدلة المشهورة فطلب من عايد ان يصنع القهوة على الكيف الذي يرغبه لكي يذوق الفنجال الذي يسوى ثلاثين فنجال ...فطلب عايد منه ان يستخدم معاميله التي كانت معه ...فوافق وبعد ان تذوق ابن رشيد القهوة قال كلمته المشهورة..."لا والله اللي قللت من حق فنجالك الا يسوى ثمانين فنجال"


ملاحظة في قصته مع ابن رشيد "فبعض الروايات تنسبها لشخص اخر وهو ابن ظويهر العنزي...والبعض قال ان موقف عايد كان مع رجلا اخر ابن مهنا واخرون يؤكدون صحة الرواية التي رويتها لكم مثبتين ذلك بالقصيدة....ولكن الثابت ان احد الرجال المشهورين رد على قصيدته بعد تذوق فنجاله قائلا "لا والله اللي قللت من حق فنجالك الا يسوى ثمانين فنجال" والله اعلم